حيدر حب الله

270

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

علاقاتها . وقد اهتمّ علماء أصول الفقه بهذا الأمر منذ القرن الخامس الهجري ، كما نلاحظ ذلك في كلمات السيد المرتضى ( 436 ه - ) في كتاب « الذريعة » والشيخ الطوسي ( 460 ه - ) في كتاب « العدّة » وغيرهما . وقد كانت هذه الخطوة صحيحةً من حيث المبدأ ، لما أشرنا إليه من ضرورة تنظيم العلوم وضبط حركتها ومجال عملها وتوضيح مهمّتها وما تشتغل عليه ، إلا أننا لاحظنا تضخّماً سلبياً في هذه الدراسات التمهيدية المقدّمية ، فاتسع الجدل في قيود تعريف علم الأصول ، وأخذ البحث صبغةً فلسفيّة عندما أطلق الأصوليّون العنان لأقلامهم في مسألة موضوع العلم ، وما هو الموضوع ؟ وهل يفترض وجود موضوع لكلّ علم أم لا ؟ ممّا جعل هذه المسائل ذات طابع تجريدي بعيد عن الفائدة في كثير من الأحيان . إنّ الهدف الذي تريده الدراسة التمهيدية حول تعريف العلم وموضوعه تكمن في تقديم توضيحٍ إجماليّ لهذا العلم ، وفي ضرورة عدم اختلاط العلوم وتداخلها تداخلًا عشوائياً فوضوياً ، لكنّنا - مع الأسف - لاحظنا متأخّري علماء الأصول مستغرقين في الجدل الفلسفي التجريدي حول تعريف علم الأصول وتحديد موضوعه ، وما يميّزه عن الفقه والنحو والرجال والكلام و . . فأبدعوا في خلق هذه الصورة النظرية ، إلا أنّهم تورّطوا في الدمج العشوائي أحياناً بين علم الأصول وعلوم أخرى قريبة ، مثل حديثهم عن قاعدة التجرّي ، والتحسين والتقبيح ، ممّا ينتمي إلى قضايا علم الكلام ، لكنّها دخلت أصول الفقه ، دون أن تجري محاولة جادّة للحيلولة دون إقحامها فيه ، وكذلك بحثهم عن أصالة عدم التذكية ، وقاعدة لا ضرر ، وقاعدة لا حرج ، وغير ذلك من القواعد الفقهيّة التي